الأحد، 17 مارس، 2013

قضية الأطفال أم قضية المدارس القرآنية؟!


أُصيب الشعبُ السنغالي بذهول وحزن عميقين، عقب الحريق الذي شبَّ في منزل بحي "المدينة" بدكار عاصمة السنغال، فأودى بحياة تسع من الاطفال. ومما زاد الخبر فظاعة كون المنزل يأوي تلاميذ صغارا يدرسون كتاب الله ( جعلهم الله ذخرا لوالديهم وألهمنا الصبر والسلوان).
وفور انتشار الخبر الفظيع تسابقت وسائل الإعلام إلى تغطيته كما تنافس الساسة والوزراء إلى مكان الحريق لإظهار تعاطفهم مع الضحايا وبدأت البرامج الخاصة والمناقشات تجري علي قدم وساق كما شرعت أصابع الاتهام تشير إلى جميع الاتجاهات.
ومع تسليمنا بقضاء الله وقدره، فإن هذه الحادثة تثير لدينا تساؤلات عديدة حول الأطراف التي تتحمل جزءا من المسئولية فيما حدث وفي الأوضاع المأساوية التي يعيش فيها بعض أطفالنا الصغار.
وهذه الأوضاع تثير نقاشا واسعا يشوبه خلط كبير حيث يتناوله كل طرف من زاويته الخاصة؛ وفيما يتعلق بقضية أطفال المدارس القرءانية بالذات يشير المحللون إلى مستويات مختلفة من المسئولية المشتركة بين الأطراف المعنية ، مستوى الدولة ومستوى الآباء ومستوى المجتمع و ... فإنني أود أن أركز هنا على نصيب الدولة، فهي المسئول الأول عن رعاية شؤون الموطنين ومحاولة حل مشاكلهم وحماية مصالحهم.
في الحقيقة، يبدو أن حكومتنا شعرت بهذه المسئولية، ولكن مقاربتها في علاج مشكلات المدارس القرانية تنطوي على إشكالية كبيرة؛ فهل المسألة تمكن في ظاهرة التسول أم في أوضاع الأطفال أم في مشاكل هذه المدارس القرءانية أم … ؟


فقد جعلت الحكومة مدخلها إلى القضية مكافحة ظاهرة التسول المتفشية التي تقلق مضجعها بدلا من مدخل تلبية مطالب شريحة واسعة من المواطنين في توفير تربية إسلامية وتعليم قرآني لأطفالهم في ظروف مقبولة، في إطار سياسة تربوية عامة. ويشهد لتلك المقاربة الأمنية أن توصيات الجلسة الوزارية المنعقدة في ٨ فبرائر الماضي وضعت في مقدمة أولوياتها وتوصياتها تنفيذ القوانين المتعلقة بفرض عقوبات قاسية على من يدفع الاطفال إلى التسول قبل أن تتحدث عن خطوات حول تنمية المدارس القرانية وتحسين ظروفها .
وفي واقع الأمر كان النظام السابق قد وضع منذ بضع سنوات خطة استراتجية لتحديث المدارس القرانية ولكنه لم يتول بنفسه تنفيذ هذه الخطة بل وكل مهمة تمويلها على الشركاء الأجانب والمنظمات غير الحكومة.
ومن ناحية أخرى اتخذ بعض جمعيات المدارس القرءانية خطوات جادة لتاسيس تحالف وطني والشروع في اتصالات مع الحكومة في سنة ٢٠١٠، تمخضت عن توقيع اتفاقية بين وزارة التربية والتحالف بغرض تنظيم المدارس القرءانية وتحديد الشروط التي بموجبها تحصل على التصريح ثم على الدعم الحكومي ريثما تصدر قوانين ولوائح تنظيمية في هذا الشأن وقد مضت ثلاثة سنوات دون صدور القوانين واللوائح المنتظرة.
والخطوة التي كانت متوقعة من النظام الجديد هي أن يجري دراسات وأبحاث للحصول على صورة واضحة عن أوضاع المدارس القرءانية وعن الإنجازات أو الخطط الموضوعة كما فعل في قطاعات أخرى ليست أكبر اهمية من قطاع التربية الدينية في السنغال قبل الشروع في أي إجراءات جديدة أو في مواصلة المشاريع الموجودة.
فإن بذل الجهود من قبل الحكومة لتنمية المدارس القرءانية وتحسين ظروفها أفضل مدخل للتخفيف من ظاهرة تسول الاطفال، ولكن ليس من المقبول أن تكون غاية تلك الجهود مجرد مكافحة التسول كما يوحي الخطاب الرسمي حاليا. إن رسالة السياسة التربوية العامة للدولة تؤكد بوضوح ضرورة الأخذ في الاعتبار مطالب الموطنين واحتياجاتهم التربوية، وتوفير فرص تعلم القرءان لأبناء المسلمين مطلب مشروع، ليس من المعقول أن يكون موضوعا للمزايدات او التخبط او التهاون في ظل دولة مسئولة.
إن واجب الحكومة هو السعي الجاد لترجمة سياستها المرسومة إلى واقع ملموس، وفي نهوضها بهذا العبء ستصبح قادرة على دفع الأطراف الأخرى إلى القيام بمسئولياتهم.

هناك 4 تعليقات:

  1. جزاكم اللهُ خيرا ـ فضيلة المفتش ـ علي اهتمامكم بدراسة القضايا التي من شأنها ان تخلق في المجتمع الإسلامي خلقا مشوها لو لا ما أتيح له من شخصيّات خبرآء غيورين أمثالكم ، يقومون بتوجيه أصحاب العقول الساذجة إلي الوجهة الإيجابيّة ، في حين بذل أولو الأمر المزعومون جهودَهم الجبّارة في قلب الحقآئق وانتهاز الفرصة في مثل هذه الحوادث لترويج آرآئهم الخبيثة والمجتاحة للخير ، وهذه القضيّة جعلت الكثيرَ يوجهُ للمدارس القرآنيّة ومشرفيها تهمة الإهمال نوعا مّا ، وقد لوحظ ذلك بعد أن قام رجال الحكومة رئيسا وأقيالا في باكورة الحدث بتدنيس عرض الموجهة إليهم التهم الباطلة ، وحاولوا أن تكون كلمتهم أولي ما تلقي في هذه الحادثة ، وهم في أمور المدارس القرآنيّة أجهل من جهل ، وأظنّ أنّ علي الشيُوخ حقا في القيام في إصلاح وترميم شئون المدارس ومتعلقاتها ، لتكون الحالة علي أحسن ما تكون ؛ وتحصينها حصنا منيعا كمافي في أحوالهم الخآصّة؛لأنهم هم المسئولون عنها في الحقيقة ، وحينذاك لا تجد الحكومة أيّة فجوة للتدخل في شئون مالها فيها من صلة .

    ردحذف
  2. شكرا على هذه الأفكار الصائية! وقد نسيتم كتابة الإسم الكريم
    أرجو أن أتمكن من العودة القضية لتناول مسئوليات الأطراف الأخرى عما قريب بإذن الله

    ردحذف
  3. الحاج فاضل سك18 مارس، 2013 9:45 م

    شكرا سعادة المفتش على حس تناولكم لهذه الحلقة الجديدة من مسسل قضية المدارس القرآنية . لقد كنت على حق حين ركزت في هذا الطرح الأول على مسؤولية الدولة في هذه القضية : لأنه من المسلم به أن أمور التربية والتعليم في أي بلد من بلدان العالم تتم تحت غطاء حكومي : إما ان تتولاها مباشرة أو تدعم القائمين بها مع الإشراف عليها . المدارس القرآنية رغم الظروف التي تعيش عليها تبقى خيار شريحة محترمة من المجتمع لا يبغون عنها بديلا في مجال حفظ القرآن , والتربية الأساسية. في رأيي أن التخبظ والعشوائية اللذان يميزان أسلوب الحكومة في تعاملها مع قضية المدارس القرآنية يعودان إلى أمرين اثنين الأمر الأول : أن فلسفة الدولة دائما تأخذ مبدأ سوق العمل في الاعتبار وهي تنفق على البرامج التعليمية وهذه تتنافى بشكل أو بآخر مع روحانية المدرسة القرآنية التي أهم ثوابتها هو حفظ القرآن : لذلك تسمع المسؤولين الحكوميين في كل تدخلاتهم يعرجون على ضرورة ادخال تعليم تقني أومهني في هذه المدارس , ولا يعرفون أو لايريدون أن يعرفوا أن الهدف الأساس لأولياء هؤلاء التلاميذ جين يرسلون أولادهم إلى هذه المدارس هو حفظ القرآن , والتمتع بالتربية الاسلامية لأ أقل ولاأكثر الأمر الثاني : هو ذاك الإرث الاستعماري الذي لم تزل ولا تزال الدولة بكل أنظمتها المتعاقبة تحافظ عليه وهو : عدم اعتبار أي تعليم لا يكون أساسه اللغة الفرنسية وهذا ما يفسر الهوس الذي يتملك كل مسؤول يتكلم في المدرسة القرآنية بحيث يركز على ضرورة ادخال اللغة الفرنسية في برنامج هذه الأخيرة .

    ردحذف
  4. علي صار
    شكرا فضيلة المفتش على تناولك الموضوعي للموضوع وأرجوا أن يترجم إلى الفرنسية لعله يقرأه من ألقى السمع

    ردحذف

كلام في غاية الخطورة !

في الأسبوع الماضي اتصل بي أَخٌ فاضلٌ غيورٌ على دينه وعلى تعاليم شيخنا الخديم رضي الله عنه للفتِ انتباهي بشأن فيديو مُتداولٍ تم بَثُّه ...